عبد الوهاب الشعراني
16
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
فمنهم الشقي والسعيد ، هنا وفي يوم الميعاد ، فلا سبيل إلى تبدل ما حكم عليه القديم وقد قال تعالى في حديث فرض الصلاة : « هي خمس وهي خمسون ، ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لتصرفي في ملكي وإنفاذ مشيئتي في ملكي » . وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ولم تعبر عليها الأفكار ولا الضمائر إلا بوهب إلهي ، وجود رحماني ، لمن اعتنى اللّه به من عباده ، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ، فعلم حين أعلم أن الألوهية أعطت هذا التقسيم وأنها من دقائق القديم ، فسبحان من لا فاعل سواه ، ولا موجود بذاته إلا إياه ، وَاللَّهُ « خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » « قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » . وكما شهدنا للّه تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العليّة ، كذلك نشهد لسيدنا ومولانا محمد صلى اللّه عليه وسلم بالرسالة إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم ، بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه وأدى أمانته ، ونصح أمته ، وقد ثبت أنه صلى اللّه عليه وسلم ، وقف في حجة الوداع ، على كل من حضره من الأتباع ، فخطب وذكر ، وخوف وأنذر ، ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ، وما خص بذلك التذكير أحدا دون أحد عن إذن الواحد الصمد ، ثم قال : ألا هل بلغت ؟ فقالوا جميعا : قد بلغت يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : اللهم اشهد ! . ونؤمن بكل ما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مما علمنا ومما لم نعلم ، فمما علمنا وتحققنا مما جاء به وقرر ، أن الموت عن أجل مسمى عند اللّه إذا جاء لا يؤخر فنحن مؤمنون بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك كما آمنا وأقررنا وصدقنا أن سؤال منكر ونكير في القبر حق ، وأن عذاب القبر حق ، والبعث من القبور حق ، والعرض على اللّه تعالى حق ، والحوض حق ، والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة والنار حق ، وفريقا في الجنة وفريقا في السعير حق ، وأن كرب ذلك اليوم على طائفة حق ، وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر حق ، وأن شفاعة الأنبياء والملائكة وصالحي المؤمنين حق ، وشفاعة أرحم الراحمين حق ، فتشفع أسماء الحنان والرحمة ، عند أسماء الجبروت والنقمة . وكذلك نؤمن بأن إيمان أهل النار كفرعون وغيره غير مقبول ولا نافع ، وأن جماعة من أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون بالشفاعة حق ، وأن كل ما جاءت به الكتب والرسل من عند اللّه تعالى ، علم أو جهل ، حق . وكذلك نؤمن بأن التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم حقّ ، والتؤبيد للكافرين والمنافقين والمشركين والمجرمين [ في الجحيم ] حق . فهذه عقيدة القوم رضي اللّه عنهم أجمعين ، وعقيدة عليها حيينا وعليها نموت ، كما هو رجاؤنا في اللّه عز وجل ، فنسأل اللّه من فضله أن ينفعنا بهذا الإيمان ويثبتنا عليه عند الانتقال إلى الدار الحيوان ، ويحلنا دار الكرامة والرضوان ، ويحول بيننا وبين دار سرابيل أهلها القطران ، ويجعلنا من